ابن رشد
250
تهافت التهافت
ولما احتج عن ابن سينا بمقدمات يظن أنها عامة للعلمين المحدث والأزلي أخذ يحتج عليه بما تقول الفلاسفة في هذا الباب من الفرق بين العلمين ، وهو شيء لازم له في الحقيقة فقال : ثم يقال : بم تنكرون على من قال من الفلاسفة : إن ذلك ليس بزيادة شرف ، فإن العلم إنما احتاج إليه غيره إلى آخر ما كتبناه . وتلخيصه أن هذه الإدراكات كلها إن كانت لنقص في الآدمي فالباري منزه عنها فهو يقول لابن سينا : إنه كما اتفقت مع أصحابك أن كونه لا يدرك الجزئيات ليس لنقص فيه إذ كان قد قام البرهان عندك على أن إدراك الجزئيات هو لموضع نقص في المدرك . كذلك عدم إدراك الغير ليس يلزم أن يكون لنقص فيه إذ كان إدراك الغير هو الذي يكون لموضع نقص المدرك . والانفصال عن هذا كله أن علمه ليس يقتسم فيه الصدق والكذب المتقابلات التي تقتسم الصدق والكذب على علم الإنسان ، مثال ذلك : إن الإنسان يقال فيه إما أن يعلم الغير وإما أن لا يعلمه على أنهما متناقضان إذا صدق أحدهما كذب الآخر ، وهو سبحانه يصدق عليه الأمران جميعا ؛ أعني الذي نعلمه ولا نعلمه ، أي لا يعلمه بعلم يقتضي نقصا وهو العلم الإنسان ، ويعلمه بعلم لا يقتضي نقصا وهو العلم الذي لا يدرك كيفيته إلا هو . وكذلك الأمر في الكليات والجزئيات يصدق عليه سبحانه أنه يعلمها ولا يعلمها هذا هو الذي تقتضيه أصول الفلاسفة القدماء منهم . وأما من فصل فقال أنه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات فغير محيط بمذهبهم ولا لازم لأصولهم فإن العلوم الإنسانية كلها انفعالات وتأثيرات عن الموجودات والموجودات هي المؤثرة فيها ، وعلم الباري سبحانه هو المؤثر في الموجودات والموجودات هي المنفعلة عنه . وإذا تقرر هذا فقد وقعت الراحة من جميع المشاجرة بين أبي حامد وبين الفلاسفة في هذا الباب ، وفي الباب الذي يلي هذا وفي الذي يلي الذي يليه . ولكن على كل حال فلنذكر نحن هذه الأبواب وننبه فيها على ما يخصها ونذكر ما سلف من ذلك .